الخطبة الأولى تعظيم الأشهر الحرم 29/11/1447ه
إن الحمد لله . . .
أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون حق التقوى، وراقبوه في سركم وعلانيتكم، واستعدوا ليوم مماتكم، وعرضكم على خالقكم ومولاكم (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).
عباد الله . . إن الله تعالى بعلمه وحكمته، يصطفي من خلقه ما يشاء، فيختار من الأمكنة ما يجعله مباركاً، ومن الأزمان ما يجعله فاضلاً، "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون"
فاختار جل وعلا من الأزمان شهر رمضان؛ ليكون أفضل الشهور، ومن الأيام عشرَ ذي الحجة؛ لتكون أفضل أيام العام، واختار يوم الجمعة؛ ليكون أفضل يوم طلعت عليه الشمس.
ومن هذه الأزمان الفاضلة، الأشهرُ الحرم التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم".
فالأشهر الحرم أربعةُ أشهر، أولها شهرُ ذي القَعدة، وبعده شهر ذي الحِجة، ثم شهر الله المحرم، فهذه ثلاثةُ أشهرٍ من الحُرُم متتابعة، ثم شهرُ رجب الفرد، وهو رابعها.
عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنةُ اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" متفق عليه.
فهذه الأشهر الحرم، كانت العرب في جاهليتها تُعظِّمها، وتُحرِّم القتال فيها، حتى لو لقي الرجلُ فيها قاتلَ أبيه لم يتعرضه بسوء، وإنما كانت الأشهر الحرم ثلاثة متتابعة، وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحج شهرٌ، وهو ذو القعدة؛ ليتمكنوا فيه من السير إلى مكة آمنين، وحُرِّم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهر الله المحرَّم؛ ليرجعوا فيه إلى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط السنة؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمناً.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال: في كلهن. ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُما، وعظَّم حُرُماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعملَ الصالح والأجر أعظم. رواه ابن جرير في تفسيره 14/238.
وقال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" إن الظلم في الأشهر الحرُم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يُعظِّم من أمره ما يشاء.
معاشر المؤمنين . . إن المؤمن الحق، هو من يعظم شعائر الله عز وجل، وتعظيم الشعائر دليل على التقوى: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"
فعظموا يا عباد الله ما عظمه الله، ولا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم، باقتراف المعاصي وترك الواجبات، وأعظم ظلم العبد نفسَه الإشراكُ بالله تعالى، كما قال الله عز وجل في سورة لقمان: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
والمعاصي وإن كانت حراماً في كل وقت إلا أن حرمتَها في هذه الأشهر الحرم أعظم، وإثمَها أشد، فيتأكد على المرء فيها حفظُ أمر الله، والانتهاءُ عما نهى الله.
وقد ذكر أهل العلم، أن الحسناتِ تضاعفُ في كل زمان ومكان فاضل، وأن السيئات تُعظَّمُ في كل زمان ومكان فاضل([1])، ويشهد لهذا قول الله تعالى: "يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير .."
وقال سبحانه في المسجد الحرام: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
بارك الله لي ولكم . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، من السنن في شهر ذي القعدة، والتي يغفل عنها كثير من الناس، فضيلة الاعتمار فيه، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اعتمر فيه ثلاث عُمَر، مخالفاً بذلك هدي المشركين الذين كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، فعن أنس رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلَّهن في ذي القَعدة إلا التي مع حجته" متفق عليه.
فهو صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة، فصده المشركون عن البيت، وكانت ذلك في ذي القعدة، ثم اعتمر من العام القابل عمرة القضية، وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر عام ثمان بعد فتح مكة عند رجوعه من حرب ثقيف، وكانت أيضاً في ذي القعدة. فهذا يدل على فضيلة العمرة في ذي القعدة حتى إن العلامة ابن القيم رحمه الله توقف في أيهما أفضل عمرة رمضان أو العمرة في ذي القعدة([2]).
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: (أفضل زمان تؤدي فيه العمرة شهر رمضان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عمرة في رمضان تعدل حجة" ثم بعد ذلك العمرة في ذي القعدة؛ لأن عُمَرَهُ كلَّها وقعت في ذي القعدة وقد قال الله سبحانه: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة")([3])
فأفضل وقت للعمرة شهر رمضان، ثم شهرُ ذي القعدة، فمن تيسرت له العمرة في هذا الشهر فليبادر إليها؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياءً للسنة.
جعلني الله وإياكم من المعظمين لشعائر دينه، المقتفين لآثار رسوله صلى الله عليه وسلم.
وصلوا وسلموا . .
([1]) ينظر: مجموع فتاوى ومقالات للشيخ ابن باز 15/447، 448، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين 20/168.
([2]) ينظر: زاد المعاد 2/95، 96.
([3]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 17/431.