الخطبة الأولى التوسل المشروع والممنوع 8/10/1447ه
إن الحمد لله . .
أما بعد، فأوصيكم عباد الله بالتقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)
أيها المسلمون . . الدعاء من العبادات الجليلة، التي أمر الله بها العباد، وأمرهم بها رسوله صلى الله عليه وسلم، (وقال ربكم ادعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدعاء أكرم شيء على الله).
ومن أسباب إجابة الدعاء أن يتوسل الداعي بين يدي دعائه بوسيلة مشروعة، يرجو بها قبول دعائه، والوسيلة هي ما يُتوصلُ بها إلى حصول المقصود، ولا بد لهذه الوسيلة في الدعاء أن يدل عليها دليل شرعي، وإلا كانت بدعة محدثة.
معاشر المسلمين . . من الوسائل المشروعة في الدعاء التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فيأتي المرءُ في دعائه باسم لله عز وجل أو صفة له سبحانه مناسبَين للدعاء، كأن يقول الداعي: يا غفور اغفر لي. فقد توسل هذا الداعي في دعائه باسم من أسماء الله عز وجل مناسب لدعائه، وهو اسمُ الغفور، ودليل هذا النوع من التوسل قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)([2])، ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من دعاء نبيه سليمان عليه السلام حيث قال: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} فتوسل في دعائه باسم الرب، في قوله: رب أوزعني أن أشكر نعمتك. وتوسل في دعائه بصفة الرحمة، في قوله: وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم التي توسل فيها بصفتي العلم والقدرة: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي".
ومن أنواع التوسل المشروع: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بعمل صالح قام به الداعي، كأن يقول: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لرسولك صلى الله عليه وسلم فاغفر لي، فإن الإيمان بالله تعالى والمحبة للرسول r أعمال صالحة جليلة، ودليل هذا النوع من التوسل قوله الله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، وقوله سبحانه: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}، وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار، الذين انحدرت عليهم صخرة فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: "إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم"([3])، وفي رواية: "فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله، فادعوا الله بها، لعل الله يفرجها عنكم"([4]) فدعا كل واحد منهم ربه، متوسلا إليه بعمل صالح عَمِلَه ابتغاء وجهه، فالأول توسل ببره بوالديه، والثاني بعفته عن الزنا، والثالث بأمانته وحفظ حق أجيره، ففرج الله عنهم، واستجاب دعاءهم.
ومن أنواع التوسل المشروع: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، لأن المرء كلما كان أكثرَ صلاحا كان دعاؤه أقربَ إلى الإجابة؛ فيجوز أن يطلب المرء من رجل صالح في حياته وعلى مَسْمَعٍ منه أن يدعو له بخيري الدنيا والآخرة.
ودليل هذا النوع من التوسل ما روى أنس بن مالك t أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي r قَائِمٌ يَخْطُبُ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» قَالَ أَنَسٌ t: وَلاَ وَاللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلاَ قَزَعَةً وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سبتاً، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ في الجُمُعَةِ المقبلة، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. متفق عليه([5]).
وينبغي عند طلبك الدعاء من الرجل الصالح أن تنوي انتفاعك بدعائه لك، ونفعه هو أيضا، فإنه إذا دعا لك بظهر الغيب، قال له الملَك: آمين ولك بمثل. فتكون قد أحسنت إليه بطلبك، فيحصل الانتفاعُ بذلك للداعي والمدعو له.
والحاصل يا عباد الله، أن التوسل المشروع يكون بالتوسل بأسماء الله تعالى أو بصفاته، أو بعمل صالح عمِلَه الداعي مخلصا فيه لله، أو بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، فهذه وسائل دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، ويرجى أن تكون سببا لقبول الدعاء.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المؤمنين، وأما التوسل الممنوع شرعا، فهو التوسل الذي لم يدل عليه دليل شرعي، كتوسل بعضهم بجاه النبي r، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد r أن تدخلني الجنة. وكذا لو توسل بجاه أحد الصحابة y، كجاه علي أو الحسن أو الحسين أو غيرهم y، أو بجاه غيرهم من الصالحين، فإن هذا النوع من التوسل توسلٌ بدعيّ، لعدم ورود الدليل عليه من الكتاب أو السنة، ولم يفعله أحد من الصحابة y([6])، ولا أحد من السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهم خير القرون، وأعرف الناس بحق النبي r وحقه صحابته y وحق الصالحين.
نعم، نعتقد نحن أهل السنة والجماعة أن لنبينا وحبيبنا محمدٍ r جاهاً عظيماً عند ربه عز وجل، ومكانةً عالية، وكيف لا، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيدُ ولد آدم، وكذا صحابتُه الكرام وآلُ بيته المؤمنون لهم جاه عند الله عظيم، وإنما الذي ينكره أهل السنة والجماعة هو التوسل بجاههم؛ لأنه بدعة محدثة في الدين، لم يفعله الصحابة y، الذين هم أعظم الناس إجلالا ومحبة لرسول الله r، ولما أجدبت الأرض في عهد عمر بن الخطاب t، اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ t، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» فَيُسْقَوْنَ. رواه البخاري 3710.
فقد كانوا في حياة النبي r يستسقون به، أي بدعائه، كما فعل الرجل الذي دخل يوم الجمعة، وأما بعد موته فلم يتوسلوا y بجاهه، لعلمهم أنه لا يجوز، وأنه ليس وسيلة شرعية، ولم يأتوا إلى قبره r ويسألوه، لعلمهم أن الميت كائنا من كان لا يُسأل شيئا، وإنما توسل عمر t بالعباس عم النبي r، فدعا العباس t ربه بالسقيا فسقاهم الله.
وما يقال في التوسل بجاه النبي r يقال مثله في التوسل بحرمته أو ببركته أو بحقه أو بذاته، كُلُّ ذلك من التوسل الممنوعِ شرعا، وهو من الذرائع والوسائل إلى الشرك بالله عز وجل.
وبَدَل أن يقول القائل: اللهم إني أسألك بجاه نبيك r، فليقل: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك r، أو باتباعي لنبيك r، فيكون توسلُه حينئذ مشروعا، لأنه توسل في دعائه بعمل صالح، وهو محبةُ النبي r واتباعُ سنته.
ومن أنواع التوسل الممنوع: التوسل بالأموات من الأنبياء والصالحين، فيدعوهم من دون الله عز وجل، ويستغيثُ بهم في الشدائد، كأن يقول: يا رسول الله، فرج كربتي، أو يقول: مدد يا حسين، فهذا شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، لما فيه من صرف عبادة الدعاء لغير الله عز وجل، ومن صرف العبادة لغير الله عز وجل فقد أشرك به.
والله نسأل أن يثبتنا على الإسلام والسنة، وأن يعيذنا من الشرك والبدعة، وأن يتوفنا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
وصلوا وسلموا . . .
([1]) ينظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني، وفتاوى اللجنة 1/491، وما بعدها، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 2/333، وما بعدها.
([2]) والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى. ولا شك أن صفاته العليا عز وجل داخلة في هذا الطلب، لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به تبارك وتعالى. - التوسل أنواعه وأحكامه ص30 -
([3]) رواه البخاري (2272).
([4]) رواه مسلم (2743).
([5]) رواه البخاري 1014، ومسلم 897.
([6]) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة 1/500.