مكتبـــــة الخطب

2026-02-07 13:21:02

الترغيب في الزواج والتحذير من العزوف عنه

الخطبة الأولى  الترغيب في الزواج والتحذير من العزوف عنه  4/8/1447ه

إن الحمد لله . . أما بعد:

فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته . . .)

أيها المسلمون ....لقد شرع الله تعالى النكاح لعباده المؤمنين, وحثهم عليه ورغبهم فيه, لما في ذلك من الحكم العظيمة والمصالح الكثيرة, وهو سنة الأنبياء عليهم السلام: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" وفي النكاح تكثير لأمة الإسلام, وتحقيق لمباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بها في قوله: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه أبو داود.

فحري بالشباب أن يبادروا إلى الزواج، امتثالا لأمر النبي r، وتحقيقا لمصالح النكاح، من تحصين الفرج، وحصول الولد، واستقرار النفس، فإن المرأة الصالحة سكن لزوجها، قد جعل الله بينه وبينها مودة ورحمة، (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، وليحرص الشاب على المرأة الصالحة، التي تعينه على الخير، وترغبه في الطاعة، فإن المرأة الصالحة من خير متاع الدنيا، قال النبي r: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.

معاشر المسلمين . . ومما يعين الشباب على الزواج تقليل المهر، وعدم المغالات في تكاليف النكاح، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام هو القدوة في ذلك، فقد خطب عمر رضي الله عنه الناس فقال: ألا لا تُغالُوا بصُدُق النساء، - يعني مهورهن - فإنها لو كانت مكرُمةً في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي r، ما أصدق رسول الله r امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية) رواه أبو داود وقال الألباني في صحيح أبي داود حسن صحيح برقم 1852

ولما زوج النبي r ابنته فاطمة لعلي رضي الله عنهما قال له رسول الله r: أعطها شيئاً، فقال علي رضي الله عنه: ما عندي شيء. قال: أين درعك الحُطَميَّة؟ - أي التي تحطم السيوف - قال هي عندي، قال فأعطها إياه. رواه النسائي قال الألباني حسن صحيح كما في صحيح النسائي برقم 3160 فكان هذا الدرع هو مهر فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، والتي أخبرها النبي r بأنها سيدة نساء أهل الجنة([1]).

والحكمة يا عباد الله من حث الإسلام على تخفيف المهور ظاهرة، إذ به يتيسر النكاح، وتحصل به مصالحة، وتندفع عن المجتمع كثير من المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، ولذا قال النبي r: (خير النكاح أيسره) رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 1859  

فعلينا جميعا أن نعين الشباب على الزواج، وأن نيسر لهم أسبابه، ومن ذلك بذل الصدقات والتبرعات للمحتاج منهم، وفي ذلك أجر عظيم وثواب جزيل، بل يجوز دفع الزكاة لمن أراد النكاح ممن لا يقدر على المهر وتكاليف الزواج بالمعروف من غير سرف ولا تبذير في ذلك؛ لأن الزواج من الحوائج الأصلية.

ومن طرق إعانة الشاب على الزواج الإعانة المعنوية بالتوفيق بينه وبين الفتاة التي تناسبه، وذلك بدلالته على أهلها، أو التوسط بينه وبين وليها لإتمام النكاح، ومن ذلك عرض الرجل موليته من بنت أو أخت أو غيرها على من يرى فيه الصلاحَ والكفاءة، فقد عرض الرجل الصالح بمدين إحدى ابنتيه على نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وقال الله تعالى في شأنه: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) وعرض عمر رضي الله عنه ابنته حفصة رضي الله عنها لما مات زوجها على عثمان ثم على أبي بكر رضي الله عنهما فلم يجيباه، ثم خطبها رسول الله r فأنكحها إياه.

أيها الآباء من كان منكم مقتدرا بماله فليعن ابنه على النكاح، بل إن الابن إذا كان عاجزا عن المهر وتكاليف النكاح والأب قادر وجب عليه أن يزوجه، لأن هذا داخل في النفقة عليه، كما ينفق عليه في طعامه وشرابه ولباسه ونحو ذلك.

معاشر المؤمنين . . إن للمغالات في المهور وتكاليف النكاح آثاراً سيئة، وعواقب وخيمة، فهو يؤدي إلى عزوف كثير من الشباب عن الزواج، وتعطيل الفتيات من غير نكاح، وبهذا يكون شبابنا وبناتنا معرضين للفتن التي عظمت في هذا الزمان، وتنوعت طرقها وأساليبها، والرجل العاقل اليوم، فضلا عن الصالح ليفرح برجل تقي ذي خلق كريم يستر على ابنته ويصونها ويحفظها، ولو لم يكن ذا مال وفير أو منصب عال، فإن الله جل وعلا يقول: (وأنكوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم).

ومما يعين الشباب على الزواج أن يكون وجهاء المجتمع من علماء وأغنياء وأصحاب المكانة هم القدوة في ذلك لغيرهم فلا يتكلفوا في تزويج أولادهم، وإنما يقتصرون على ما يحصل به المقصود من غير سرف ولا مبالغة، فإن الناس إلى أفعالهم ينظرون، وبهم يقتدون.

ولنحذر يا عباد الله من الدعوات المنحرفة التي تروج للعزوف عن الزواج، وتسعى إلى تشويه صورته، والتنفير منه، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فإنها دعوات آثمة، تهدف إلى إفساد الفطرة السليمة، وهدم القيم الأسرية، ومصادمة أحكام الشريعة ومقاصدها.

بارك الله لي ولكم . . .

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، واجتهدوا في تيسير نكاح أبنائكم وبناتكم، وأعينوهم ما استطعتم، فإن في نكاحهم خيرا لكم، وفي تركهم بلا نكاح شر وفساد عظيم، يقول النبي r : (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) رواه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترمذي برقم 865

ويحرم على الولي عضل موليته، بأن يمنعها من نكاح كفء تقدم لها ورضيت به، وذلك لقول الله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)، فإن بعض الأولياء يمنع ابنته من النكاح بغير سبب شرعي، وإنما لأجل مصالحه الشخصية، فليتق الله هؤلاء الأولياء في بناتهم وأخواتهم، وليعلموا أن الله سائلهم عنهن يوم القيامة (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

ومن أراد النكاح وليس عنده شيء فليُعظِم توكله على ربه في تيسير أمره وإعانته له، وليؤمن بقول النبي r: (ثلاثة حق على الله عز وجل عونهم: المكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله) رواه النسائي وحسنه الألباني في صحيح النسائي برقم 3017

وإذا تعذر النكاح على الشاب فليلزم العفاف عن الحرام ممتثلا قول الله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) وليكثر من الصوم، عملا بوصية النبي r في ذلك.

والله نسأل أن يحفظ شبابنا وبناتنا من مضلات الفتن، وأن يجعلهم صالحين مصلحين، وعدّة لدينهم ووطنهم، وأن يصرف عنهم كيد الأشرار، ومكر الفجار يا رب العالمين.

وصلوا وسلموا . .

 

 

([1]) رواه البخاري 3624، ومسلم 2450، واللفظ لمسلم.

خطب ذات صلة