الخطبة الأولى استقبال رمضان 1447ه
إن الحمد لله . . أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور).
أيها المؤمنون . . إن من حكمة الله تعالى ورحمته، أن فضل بعض الأزمان على بعض، وجعل لها شرفا وفضلا، واختارها على غيرها؛ لترفع فيها درجات العباد، وتقال فيها عثراتهم، (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحانه وتعالى عما يشركون).
وها أنتم يا عباد قد أدركتم شهرا عظيما مباركا، إنه شهرُ التوبة والرحمة والغفران، والعتق من النيران، شهرٌ تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون في غيره، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم.
عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم المنبر فلما رقِيَ عَتبة قال: (آمين) ثم رقي عتبة أخرى فقال: (آمين) ثم رقي عتبة ثالثة فقال: (آمين) ثم قال: ( أتاني جبريل فقال : يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله قلت: آمين قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله قلت: آمين فقال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين) رواه ابن حبان 409، وقال الألباني صحيح لغيره كما في صحيح الترغيب.
معاشر المسلمين . . ومما يشرع للمسلم في هذا الشهر المبارك بذل المال في وجوه الخير، فقد كان النبي أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، وقد دل على فضل الصدقة نصوص كثيرة من كتاب الله عز وجل:
قال الله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) وقال سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) وقال تبارك وتعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبه، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم).
ووصف النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة بأنها برهان فقال: (والصلاة نور والصدقة برهان) رواه مسلم، فهي برهان يدل على صدق الإيمان؛ لأن المتصدق إنما يرجو ذخر صدقته وأجرها عند الله، وهذا لا يكون إلا من مؤمن صادق الإيمان.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ. مَرَّتَيْنِ)().
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ()، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. رواه البخاري (1461) ومسلم ().
وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟، قال: «الماء»، قال: فحفر بئرا، وقال: هذه لأم سعد. رواه أبو داود (1681) وحسنه الألباني.
ويراعى الالتزام عند بذل الصدقات عدم مخالفة ما سنته الدولة – وفقها الله - من أنظمة وتعليمات، وإعطائها للجهات المصرح لها والمخولة بجمع التبرعات، بحيث تكفل إيصال الصدقة إلى مستحقيها، ولئلا تستغل هذه الصدقات من قبل ضعاف النفوس إما بأكلها، أو صرفها فيما يعود بالضرر على العباد والبلاد.
بارك الله لي ولكم . . .
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . . أما بعد، فاتقوا الله أيها المسلمون، وأعلموا أن المسلم ينفع بصدقته نفسه قبل أن ينفع من يتصدق عليه، فبالصدقة تزكي نفسك وتطهرها من الرذائل (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وبالصدقة يَدخل عليك السرور والانشراح بقضاء حاجة إخوانك، وما ترجوه من ثوابك ربك.
ويعظم أجر الصدقة في الأزمان الفاضلة، كشهر رمضان، كما يعظم أجرها إن كانت للمستحقين ممن حقه أعظم من غيره كالقريب والجار، قال الله تعالى: (وآت ذا القربى حق والمسكين وابن السبيل) وقال النبي : (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان صدقة وصلة)، وبذل المال للمتعفف أولى من غيره؛ لقول الله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا)، وينبغي للمتصدق أن يتفقد أحوال من يتصدق عليهم، ولا يتعاطف مع كل من رآه من المتسولين، بل يتحرى في صدقته أهل الحاجة الحقيقية، والستر والعفاف.
ومن وجوه البر تفطير الصائمين، فإنه من فطر صائما كان له مثل أجره لا ينقص من أجر الصائم شيء، لكن مع مراعاة عدم المبالغة في موائد إفطار الصائمين، وأن يكون الإنفاق عليها بقدر الحاجة، وصرف الزائد إلى وجوه من الإنفاق أكثر حاجة.
ولنتذكر أن شهر رمضان شرع الله صيامه لتحقيق التقوى، (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فلا ينبغي التباهي بأنواع الأطعمة والإسراف في ذلك، قال الله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
عباد الله . . إن الصيام لا يسوغ للموظف التقصير في عمله، ولا للطالب أن يهمل في دراسته، فإن المسلم مأمور بالجد والاجتهاد وإتقان العمل في جميع أحواله، لقول النبي : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه).
وصلوا وسلموا . .