مكتبـــــة الخطب

2026-02-07 13:27:45

التبكير لصلاة الجماعة

الخطبة الأولى          التبكير لصلاة الجماعة        13/7/1447ه
إن الحمد لله . . أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
أيها المسلمون . . الصلاة عمود الدين، وركن من أركانه، شرعها الله تعالى من فوق سبع سماوات، وورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الترغيب فيها، والترهيب من تركها، وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله.
ويشرع للرجال أداء الصلاة مع الجماعة في المساجد، وهي من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي الصلاة مع الجماعة ثواب جزيل، وأجر عظيم.
ويعظم هذا الأجر في حق من يبكر لصلاة الجماعة، فإن للتبكير إليها فضائلَ كثيره، وثمراتٍ عظيمة، قد غفل عنها كثير من المسلمين، فإن مما يلحظ على بعض المصلين التأخرَ عن الحضور لصلاة الجماعة، فمنهم من يحضر مع إقامة الصلاة، وهذا فاته فضل التبكير، ومنهم من يحضر بعد فوات ركعة أو أكثر، بل منهم من يتأخر حتى تفوته الصلاة، فيأتي إلى المسجد ويصلي في جماعة ثانية، وهؤلاء يخشى عليهم من الإثم إن لم يكن لهم عذر في ذلك( ).
معاشر المسلمين . . أهل الإيمان والتقوى يسارعون إلى طاعة ربهم، ويبادرون إلى مرضاته، يمتثلون قول الله عز وجل: (فاستبقوا الخيرات) وقولَه سبحانه: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) ومن ذلك المسارعة إلى صلاة الجماعة منذ دخول وقتها، وترك ما يُشغل عنها، فقد كان إبراهيم بن ميمون الصائغ رحمه الله تعالى وهو من أتباع التابعين إذا رفع المطرقة فسمع الأذان لم يردها( )، ومن الصالحين من يأتي المسجد قبل الأذان، كما جاء عن التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وهو في المسجد( )، فهؤلاء السلف يصدق فيهم قولُ الله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار)
ومن فضائل التبكير إلى صلاة الجماعة إدراكُ تكبيرة الإحرام مع الإمام، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» رواه الترمذي 241، وحسنه الألباني، ويحصل فضل إدراك تكبيرة الإحرام بأن يكبر بعد تكبير إمامه دون تأخير.
والمبكر إلى الصلاة يرجى أن يكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ففي الصحيحين أن النبي  قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم: (ورجل قلبه معلَّق في المساجد) ولا شك أن المحافظ على التبكير إلى لصلاة قد تعلق قلبه بالمساجد.
ومن فضائل التبكير إلى صلاة الجماعة أن المبكر لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة، فيُكتب له ثواب المصلي، فعن أَبي هُرَيْرَةَ  قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ " رواه البخاري 647، 
ومن فضائل التبكير إلى صلاة الجماعة أداء النافلة قبل الصلاة، فإنه يشرع لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن كانت الصلاة لها سنة راتبةٌ قبليةٌ كالفجر والظهر أداها، وكان تبكيره سببا للمحافظة عليها، وقد ورد في فضل ركعتي الفجر أنهما خير من الدنيا وما فيها.
ومن فضائل التبكير إلى صلاة الجماعة أن يتفرغ المسلم بعد أداء النافلة لقراءة القرآن الكريم، فيتمكن من قراءة ما لا يقل عن جزء كل يوم. 
ومن فضائل التبكير إلى الصلاة إدراك الصف الأول غالبا، وفي إدراكه فضل عظيم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ – أي التبكير إلى الصلاة -، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» رواه البخاري 615 ومسلم 437، والعتمة هي العشاء. ومعنى الحديث: أن الناس لو يعلمون فضل الأذان والصف الأول ثم لم يتمكنوا منه لازدحامهم عليه إلا بالاقتراع لاقترعوا عليه، وعن البراء بن عازب  قال: قال رسول الله : (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، أَوِ الصُّفُوفِ الْأُولَى" رواه الإمام أحمد 18621، وصلاة الله تعالى ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة الدعاء والاستغفار.
ومن فضائل التبكير إلى الصلاة أن المبكر يتفرغ لدعاء ربه عز وجل في وقت من أوقات الإجابة، وهو ما بين الأذان والإقامة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ»، رواه الترمذي 212، وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ» وصححه الألباني.
والله نسأل أن يوفقنا لصالح القول والعمل، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، وبادروا إلى التبكير إلى الصلاة لتنالوا الفضل العظيم، والثواب الجزيل من ربكم، خاصة التبكير لصلاة الجمعة، فقد ورد في التبكير إليها حديث عظيم، فعن أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رواه أبو داود 345، وصححه الألباني.
وعن أَبي هُرَيْرَةَ  قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ - أي المبكِّر - كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ» رواه البخاري 929، ومسلم 850، واللفظ لمسلم.
اللهم وفقنا لكل خير وهدى، وخذ بنواصينا للبر والتقوى، واجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلوا وسلموا . . .

خطب ذات صلة