مكتبـــــة الخطب

2026-03-07 13:39:21

التذكير بشكر نعمة الأمن وعدم الخوض أوقات الأزمات

الخطبة الأولى                                            17/9/1447ه

التذكير بشكر نعمة الأمن وعدم الخوض أوقات الأزمات

إن الحمد لله . . أما بعد، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)

أيها المسلمون . . لقد أنعم الله علينا في هذه البلاد بنعم عظيمة، وآلاء جسيمة، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) وقال جل وعلا: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وقال سبحانه: (وما بكم من نعمة فمن الله) ومن تلك النعم نعمة الأمن في الأوطان، فنحن نعيش في أمن وأمان، وراحة واطمئنان، فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

ونعمة الأمن يا عباد الله من النعم التي امتنَّ الله بها على عباده، فقال سبحانه: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) وقال سبحانه ممتناً على قريش (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» رواه الترمذي (2346) وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني.

ولما أكمل إبراهيم الخليل عليه السلام بناء البيت دعا ربه قائلا: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فبدأ عليه السلام بسؤال الأمن، وثنَّى بالرزق؛ لأن الأمن أساس الرزق، والطريقُ إلى تحصيله، ولو حصل رزق بلا أمن، لم يهنأ الإنسان به، ولم يتنعم فيه.

فالواجب علينا تجاه هذه النعمة أن نشكر الله عليها بقلوبنا وألسنتنا وأعمالنا، فإنه بالشكر تدوم النعم، وبكفرها تحل النقم، (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).

معاشر المسلمين . . لقد أدب الله عباده بأدب عظيم، فقال سبحانه: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فالواجب في مثل هذه الأحداث التي تمر بها بلادنا - حرسها الله - ألا يخوض الناس فيها، بل يردون الأمر إلى أهله، ومَنْ ولاه اللهُ أمرهم، فإن الخوض من عامة الناس في هذه الأمور في المجالس ووسائل التواصل ونحوها ربما عاد بالضرر على العباد والبلاد، وقد قال النبي r: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).

ومن ذلك نشر الشائعات وتداولُها، والشائعات من طرق الأعداء لإشعال نار الفتن بين المسلمين، وتفريق صفهم، وإضعاف وحدتهم، فوجب الحذر منها، عملا بقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، وقول النبي r: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) بل يكون المسلم متأنيا متثبتا فيما ينشره ويتداوله، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" رواه البيهقي في السنن الكبرى 20270.

ومما ينبه عليه في هذا الوقت الحذر من تصوير أو تداول المقاطع المتعلقة بالأحداث الأمنية، لما في ذلك من الإرجاف، وإشاعة الخوف بين الناس، وتعريض الأنفس والمصالح للخطر، وإعانة العدو على تحقيق مراده.

ومن أعظم الأسلحة للنصر على الأعداء التضرعُ إلى الله تعالى بالدعاء خاصة من الصائمين، وفي هذه الليالي المباركة، فيدعو المسلم أن يحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر وبلاء، وأن يعز دينه ويعليَ كلمته، وأن يَرُدَّ كيد الأعداء في نحورهم، ويدعو لولاة الأمر بالإعانة والتوفيق والسداد، ويدعو لجنودنا المرابطين أن يحفظهم الله بحفظه، وأن يسدد رميهم ورأيهم، ويراعي المسلم آداب الدعاء، فيدعو بقلب حاضر موقنٍ بالإجابة، ويُلحُّ على ربه عز وجل، ويتضرعُ بين يديه، ويتحرى أوقات إجابة الدعاء، ويجتنبُ أكل الحرام، فإن الله تعالى لا يَرُدُّ من دعاه، ولا يخيب من رجاه، (وقال ربكم ادعوني استحب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)

بارك الله لي ولكم . .

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين، ها أنتم عباد الله على مقربة من العشر الأواخر، والتي هي أفضل ليالي العام، فأروا الله من أنفسكم خيرا، واستبقوا الخيرات، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

وكان النبي r يجتهد في هذه الليالي ما لا يجتهد في غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي r إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. متفق عليه.

ومما يزيد هذه العشرَ الأواخرَ فضلا أن فيها ليلةَ القدر، وهي ليلة شريفة عظيمة، أنزل الله فيها القرآن الكريم، العبادة فيها أفضل من عبادة ألف شهر، أي أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة، قال الله عز وجل: (إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر) وقال النبي r: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه، ومعنى إيمانا: أي تصديقا بأنها حق، وأن الله تعالى أعد الثواب للقائمين فيها، ومعنى (احتسابا) أي طلبا لرضى الله تعالى وثوابه، لا للرياء والسمعة.

ويستحب في ليالي العشر المباركة الإكثار من الدعاء، ومنه الدعاء الذي علمه النبي r لعائشة رضي الله عنها حين قالت: يا نبي الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: (تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه الترمذي. ويستحب إحياء الليل كلِّه في هذه العشر بالأعمال الصالحة، من صلاة ودعاء وذكر وقراءة للقرآن ونحو ذلك، رجاء الفوز بإدراك ليلة القدر.

ومن اجتهد في العشر الأواخر، وأخلص النية لله جل وعلا، وأحسن العمل، فإنه يدرك ليلة القدر لا محالة، ولا يلزم لإدراكها أن يعلم بتعيينها بمنام أو غيره.

والله نسأل أن يجعلنا ممن يقوم ليلة القدر إيمانا واحتسابا، وأن يعظم لنا فيها الأجر، وأن يجعلنا في هذا الشهر المبارك من عتقائه من النار، أنه سميع مجيب.

وصلوا وسلموا . . .

 

 

 

خطب ذات صلة