مكتبـــــة الخطب

2026-04-11 15:17:06

آداب حضور المساجد

الخطبة الأولى          آداب حضور المساجد           22/10/1447ه

إن الحمد لله . .

أما بعد، فاتقوا الله معاشر المسلمين حق التقوى.

عباد الله . . لقد عظم الإسلام شأن الصلاة، ورفع مكانتها، فهي عمود الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، ومن تعظيمها أن الله تعالى شرع للرجال أداءها جماعة في بيوت الله، وحث على عمارة المساجد ورغب في ذلك فقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) وقال النبي r: (من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة) متفق عليه

أيها المسلمون . . إن لحضور المساجد أحكاما وآدابا ينبغي للمسلم أن يلتزمها ويتأدب بها، فمن ذلك أن يتوضأ في بيته، ويتنظف، ويحسن لباسه ويتطيب بما يجد من الطيب فإنه ملاق ربه في صلاته ومناج له، وعملا بقوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) وليحذر من الإتيان إلى المسجد إذا كان به رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمصلين، كرائحة الثوم والبصل، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" رواه مسلم (564)

وهذا الحكم فيمن أكلها بدون طبخ، أما إذا طبخت حتى ذهبت رائحتها فلا يُمنع آكلها من إتيان المسجد، لقول عمر t: (فمن أكلهما – يعني الثوم والبصل – فليمتهما طبخا) رواه مسلم (567)، وإذا كان هذا الحكم في الثوم والبصل وهما مباحان في الأصل فكيف بشارب الدخان الذي عصى ربه، وآذى المسلمين والملائكة برائحته، بل آذى نفسه وأهله، وأضر بصحته وماله.

 ويستحب التبكير للصلاة، لقول الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقوله سبحانه: (فاستبقوا الخيرات) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، - أي اقترعوا - وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ – أي التبكير للصلاة - لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ – أي العشاء - وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» رواه البخاري 615 ومسلم 437 ، وجاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ» رواه مسلم (1031) والتبكير إلى الصلاة يعين على المحافظة على تكبيرة الإحرام، وفي المحافظة عليها فضل عظيم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ) رواه الترمذي (241) وحسنه الألباني.

 ويقول عند خروجه من منزله: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يجهل عليَّ. وهذا الدعاء يقال عند كل خروج من المنزل، ثم يأتي بدعاء الذهاب إلى المسجد، وهو: «اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» رواه مسلم 763 .

ويسن أن يخرج إلى المسجد متطهرا، ماشيا بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه فإنه لا يخطو خطوة إلا رُفع له بها درجة وحُط عنه بها خطيئة،  قال ابن مسعود t، ولقد رأيتنا نقارب بين الخطأ. رواه النسائي 849 وصححه الألباني. ولا يشبك أصابعه من حين خروجه إلى المسجد إلى أن يفرغ من الصلاة، لقول النبي r: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» رواه أبو داود 562 وصححه الألباني.

فإذا وصل المسجد دخله مقدما رجله اليمنى قائلا: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم افتح أبواب رحمتك. ويقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. وعند خروجه من المسجد يقدم رجله اليسرى، ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم إني أسألك من فضلك اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم.

وليحرص على الصف الأول والقُرْبِ من الإمام، ويمينُ الصف أفضلُ من يساره، لقول البراء t كنا إذا صلينا خلف رسول الله r أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه. رواه مسلم (709) ويستحب له السواك قبل الصلاة فريضة كانت أو نافلة، ويستاك بيده اليسرى مبتدأ بشق فمه الأيمن ثم الأيسر، ويسن أن يستاك على لسانه، لفعل النبي r، (فالسواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، لقول النبي r: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه، وإن كان للصلاة راتبة قبلية صلاها وأجزأته عن تحية المسجد، وإن لم يكن لها راتبة قبلية وكان موجودا في المسجد قبل الأذان فيسن له أن يصلي ركعتين بين الأذان والإقامة، لقول النبي r (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري 627 ومسلم 838 أي بين كل أذان وإقامة. ثم يشتغل بقراءة القرآن أو الذكر لحين إقامة الصلاة، ويستحب الدعاء بين الأذان والإقامة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رواه أبو داود (521) وصححه الألباني.

بارك الله لي ولكم . . .

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله . . أما بعد، فاتقوا أيها المسلمون، واعلموا أنه يجب على الآباء تفقد أولادهم في الصلاة ذكورا وإناثا، واصطحاب أبنائهم معهم إلى المسجد، منذ بلوغهم السابعة ليعتادوا الصلاة، ويسهلَ عليهم أداؤها عند الكبر، لقول النبي r: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين) وعلى الأب أن يحفظ ابنه في المسجد من العبث واللعب، وأن يجعله بجواره ليعلمه ويؤدبه.

ومن أحكام المسجد أنه لا يجوز البيع والشراء فيه، ومن ذلك البيع والشراء عن طريق التطبيقات، وعبر الهاتف الجوال، ولا يجوز أن تُنشد في المسجد ضالة له أو شيئا ضائعا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ " رواه الترمذي (1321) وصححه الألباني.

ومما ينبه عليه أن رحبة المسجد أو ما يعرف بالسرحة تعد من المسجد ولها أحكامه إذا كانت محاطة بسور ونحوه، فلا يجوز للحائض ولا للجنب المكث فيها، ولا يجوز البيع والشراء فيها كما يحصل من بعض من يبيع السواك في سرحة المسجد، فهذا لا يجوز، أما إن كانت غير محاطة بسور ونحوه فليس لها أحكام المسجد.

وينبغي الحذر عند بناء المساجد أو ترميمها من زخرفتها والتباهي بها، فعَنْ أَنَسٍ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ " رواه أحمد (12379) وصححه الألباني في صحيح الجامع 7421 أي يتباهون بحسن بنائها وزخرفتها وعلوها، فدل على أن زخرفتها والتباهي بها من علامات الساعة الصغرى، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. رواه أبو داود (448) وصححه الألباني.  فدل على أن زخرفتها من التشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى.

وإنما تبنى المساجد بناء قويا محكما من غير زخرفة ولا علو زائد عن الحاجة.

كما ينبغي عند فرش المسجد أن يكون خاليا من الزخرفة، لئلا يشوش على المصلين، ويذهب خشوعهم.

والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته،

 

 

خطب ذات صلة