مكتبـــــة المحاضرات

2026-04-16 10:01:55

مواقف من سيرة الإمام أحمد مع تعليق فضيلة الشيخ د. صالح بن سعد السحيمي

مواقف من سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى

محاضرة بمسجد قباء

27/10/1447ه

إن الحمد لله . . أما بعد:

فإن الله عز وجل قد رفع مكانة العلم والعلماء، فقال سبحانه: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات)، والعالم يُشبَّه بالقمر، الذي يضيء للناس طريق الهداية، قال النبي r: (وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه الترمذي 2682، من حديث أبي الدرداء t، وصححه الألباني.

وحاجة الناس إلى العلماء العاملين، أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنَّفَس، فبدون العلماء لا يَعرف الناسُ الاعتقاد الصحيح، ولا الحلال من الحرام، ولا كيف يعبدون ربهم جل وعلا.

والواجب علينا تجاه العلماء محبتُهم واحترامهم ومعرفة حقهم، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) رواه الحاكم 421، والطبراني في مكارم الأخلاق 147، واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 5443.

ومن ذلك التعرف على شيء من سير علماء الإسلام، من أهل السنة والجماعة، الذين كان لهم شأن عظيم في نصرة الدين، والقيام به، وعلى رأس هؤلاء العلماء إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى.

ولعلي في هذه المحاضرة أن أذكر طرفا يسيرا من سيرته ومواقفة، تذكيرا لنفسي ولإخواني، وترغيبا في السير على طريقة هؤلاء العلماء الأتقياء، من سلف هذه الأمة.

ولما ذُكر للإمام أحمد أخبار بعض أهل العلم والصلاح تغرغرت عيناه، وقال: رحمهم الله، كان يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

نسبه:

هو أبو عبد الله أحمد بنُ محمد بنِ حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ينتهي نسبه إلى عدنان.

إمام أهل السنة والجماعة بلا منازع. قال الذهبي في ترجمته في السير 11/177: (هُوَ: الإِمَامُ حَقّاً، وَشَيْخُ الإِسْلاَمِ صِدْقاً).

ولد في بغداد سنة 164هـ، ومات أبوه وهو طفل، فوليته أمه، ولم ير أباه ولا جدَّه.

وتوفي ببغداد سنة 241 هـ، عن عمر بلغ سبعة وسبعين عاماً.

وكنيته أبو عبد الله مع أن ابنَه الأكبر صالح والثاني عبدُ الله، فلعله كان يتكنى بأبي عبد الله قبل زواجه فغلبت عليه هذه الكنية، وذلك أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين من عمره.

 

بدت على الإمام أحمد علامات النجابة منذ صغره، واشتَهر بالشغف بالعلم، قال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي رحمه الله تعالى: (إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه).

وهذا من فراسته رحمه الله تعالى.

وذكر أَبو عفيف الإمام أحمد بن حنبل فقال: كان في الكتّاب معنا وهو غُلَيِّم نَعرف فضله، وكان الخليفة بالرِّقة، فيكتُب الناس إلى منازلهم الكتب، فيبعث نساؤهم إلى المعلِّم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فيبعثه، فكان يجيء إليهن مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهم، فربما أَملين عليه الشيءَ من المنكر، فلا يكتبه لهن.

وهذا من حفظ الله له في صغره.

وكان أولُ طلبه للعلم سنة تسع وسبعين ومائة، وهو ابن خمس عشرة سنة، في العام الذي مات فيه مالك، وحماد بن زيد رحمهما الله تعالى.

أخذ العلم عن شيوخ بغداد، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكةَ والمدينة واليمنِ والشام والجزيرة، وكتب عن علماءِ كل بلد.

قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعتُ أَبي يقول: كنتُ ربما أَردتُ البكور في الحديث، فتأخذ أُمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يُصبحوا. وكنتُ ربما بَكرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش وغيره.

وهذا فيه ترغيب لطلاب العلم أن يبكروا إلى مجالس العلم، حتى لا يفوتهم شيء من العلم.

وفيه دور الأم في تربية ابنها على العلم، وشفقتها عليه.

ومن ذلك أن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى (ت:161ه)، الإمام الذي قال فيه الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: لم يبق من يجتمع عليه العامة بالرضى والصحة إلا ما كان من سفيان.

قالت أم سفيان له وهو صغير: اذهب، فاطلب العلم، حتى أعولك بمغزلي، فإذا كتبت عدة عشْرة أحاديث، فانظر هل تجد في نفسك زيادة، فاتَّبعْه، وإلا فلا تتعنَّ([1]).

ومن ذلك أيضا أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي رحمه الله تعالى، فقد كان لأمه رحمها الله تعالى دور في رعايته، فقد وُلد بغزة سنة (150ه)، ومات أبوه وهو صغير، فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين، لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها، وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ موطأ الإمام مالك وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، بعد أن أذن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي.

ومن تواضع الإمام أحمد أنه لم يكن يفخر بعروبته، وقد سئل مرة عن ذلك وهل هو عربي؟ فقال: نحن قوم مساكين.

وقال يحيى بن معين: ما رأيت خيرا من أحمد ما افتخر علينا قط بالعربية، ولا ذكرها.

فلم يفتخر بعروبته لأن الله عز وجل يقول: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقَالَ رسول r: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى) رواه الإمام أحمد – قال محققو المسند: إسناده صحيح رقم 23489 –

 

وكان رحمه الله تعالى زاهداً في الدنيا لا يجري لها ذكر على لسانه، وكان عالماً عاملاً مداوماً على العبادة وكان لا يظهر النسك.

قال تلميذه أبو داود: لقيت مائتين من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا فإذا ذُكر العلم تكلم.

وكان رحمه الله تعالى يكره الشهرة ويَفِرُّ منها، وإذا مشي في الطريق يكره أن يتبعه أحد.

قال عنه عيسى الرملي: "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه وبالصالحين ما كان ألحقه، عَرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها".

وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى مهيباً في ذات الله تعالى حتى إن علماء زمانه كانوا يجلونه ويهابونه.

وكان متعففاً فلا يقبل أعطيات أحد، يقول الرمادي سمعت عبد الرزاق وذكر أحمد بن حنبل ففاضت عيناه وقال بلغني أن نفقته نفدت فعرضت عليه عشرة دنانير ليأخذها، فقال يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئاً قبلت منك.

  إلا أنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها بأكثر منها. وكان يتقوت من غلة عقار كان له ببغداد، وربما تقوت من عمل يده.

وكان ولوعاً بالعلم حتى بعد إمامته فيه فقد روى ابنه صالح قال: رأى رجلاً مع أبي محبرة، فقال له يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين فقال: "من المحبرة إلى المقبرة".

وهذا يذكِّر بإمام من أئمة العربية وهو محمد بن مالك رحمه الله تعالى صاحب الألفية المشهورة في النحو والصرف، وغيرها من الكتب، فقد جاء في ترجمته: أنه حفظ يوم موته عدة أبيات، قيل إنها ثمانية أبيات، لقنه إياها ابنه([2]). وهذا من علو همته في طلب العلم.

وكان الإمام أحمد محدثا معتنيا بالفقه:

قال عبد الرزاق: ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.

قال الذهبي معلقا: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج.

وقال أحمد بن سَعيد الدارمي: ما رأَيتُ أَسوَد الرأس أَحفظَ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أَعلَم بفقهه ومَعانيه، من أَبي عبد الله أَحمد ابن حنبل.

وقال الخلال: وكان أَحمد قد كتبَ كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إِليها، وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم، فتكلم عن معرفة.

 

وقد جعل الأئمة محبة الإمام أحمد علامةً على السنة:

قال أبو داود السجستاني: إِذا رأَيتَ الرجل يُحب أَحمد بن حنبل، فاعلم أَنه صاحب سُنّة.

 

وكان للإمام أحمد رحمه الله تعالى شيوخ كُثر فقد روى في المسند عما يزيد على مائتين وثمانين شيخاً، وكان شيخه الذي اختص به ولازمه الحافظ هشيم الواسطي إذ لازمه قريباً من أربع سنين.

وحدَّث عنه بعض شيوخه كالإمام عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف، والإمام الشافعي، وكان الشافعي إذا حدث عن الإمام أحمد قال: حدثني الثقة.

ومن ثناء مشايخه عليه قول المزني: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابا، إذا قال: حدثنا، قال الناس كلهم: صدق. قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل.

وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد، فما خلفت بها رجلا أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

فالإمام أحمد كانت مكانة عالية عند شيخه الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى، ولكن أنبه على قصة لا تثبت.

ففي غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني الحنبلي، لما شرح قول ابن عبد القوي المرداوي: وَتَعْرِيفُهُ لَفْظَ السَّلَامِ مُجَوَّزٌ ... وَتَنْكِيرُهُ أَيْضًا عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ

ترجم السفاريني للإمام أحمد رحمه الله تعالى، بمناسبة ذكره في قول الناظم رحمه الله تعالى: (على نص أحمد) وذكر في أثناء الترجمة قصة فقال:

(وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ: رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَتَبَ مِنْ مِصْرَ كِتَابًا وَأَعْطَاهُ لِلرَّبِيعِ بْنِ سليمَانَ وَقَالَ: اذْهَبْ بِهِ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأْتِنِي بِالْجَوَابِ، فَجَاءَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ تَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ وَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ إنَّك سَتُمْتَحَنُ وَتُدْعَى إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَا تُجِبْهُمْ يَرْفَعْ اللَّهُ لَك عَلَمًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ الْبِشَارَةَ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ وَجَوَابَ الْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ أَيُّ شَيْءٍ دَفَعَ إلَيْك؟ قَالَ الْقَمِيصَ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ، قَالَ لَيْسَ نَفْجَعُك بِهِ، وَلَكِنْ بِلَّهُ وَادْفَعْ إلَيْنَا الْمَاءَ حَتَّى نُشْرِكَك فِيهِ. قَالَ الرَّبِيعُ فَغَسَلْته وَحَمَلْت مَاءَهُ إلَيْهِ فَتَرَكَهُ فِي قِنِّينَةٍ وَكُنْت أَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ يَأْخُذُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَلَى وَجْهِهِ تَبَرُّكًا بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - انْتَهَى).

فقد يتمسك بهذه القصة من يزعم جواز التبرك بآثار الصالحين.

والجواب: أن هذه القصة لا تصح.

فقد قال ابن مفلح في الآداب الشرعية بعد أن ذكر هذه القصة 2/13: (وقد قال الشيخ تقي الدين([3]) كذبوا على الإمام أحمد حكايات في السنة والورع وذَكَر هذه الحكاية).

وقال الذهبي في ترجمة الربيع بن سليمان في سير أعلام النبلاء 12/587: (ولم يكن صاحب رِحلة، فأما ما يُروى أن الشافعي بعثه إلى بغداد بِكِتَابِهِ إِلَى أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فغيرُ صَحِيْحٍ).

ثم إن هذا الفعل من هذين الإمامين لو صح فهو يحتاج إلى دليل، والأدلة على خلافه، وقد تعلمنا منهما ومن غيرهما من علماء الإسلام أن الحق يعرف بالأدلة، فإنه لا يُعرف أن أحدا من الصحابة y تبركوا بآثار كبارهم كأبي بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين، ممن هم أجل من الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وقد حكى الشاطبي في كتابه الاعتصام إجماعَ الصحابة y على ترك التبرك بكبارهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي y([4]).

 

ومن ثناء العلماء على الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان الهاشمي.

والثناء على العلماء بكمال العقل كثير في كتب السير والتراجم.

وممن وصفوا بكمال العقل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، ففي ترجمته في ترتيب المدارك للقاضي عياض 1/127 عقد بابا في عقله وسمته.

وكان ربيعة يقول إذا جاء مالك: قد جاء العاقل.

وقال ابن مهدي: ما رأت عيناي أحداً أهيب من هيبة مالك ولا أتم عقلاً ولا أشد تقوى ولا أوفر دماغاً من مالك.

وقال هارون الرشيد عنه ما رأيت أعقل منه.

وممن وصف بالعقل يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة موطأ مالك، فقد كان مالك يعجبه سمتَ يحيى وعقلَه.

روي عنه إنه كان عنده يوماً جالساً في جملة أصحاب مالك، إذ قال قائل: قد حضر الفيل.

 فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه. فقال له مالك لِمَ لم تخرج فتراه، إذ ليس بأرض الأندلس. فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي، لأنظر إليك، وأتعلمَ من هديك وعلمك، لا إلى أن أنظر إلى الفيل. فأُعجب به مالكٌ وسماه العاقل([5]).

 

ومن ثناء العلماء على الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول علي بن المديني رحمه الله تعالى: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. يعني محنة القول بخلق القرآن.

 

وقال الميموني: ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا، ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبا بشدة بياض من أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

وهذا من اتباعه رحمه الله تعالى للسنة، فقد قال النبي r: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم) وقال r: (إن الله جميل يجب الجمال).

 

ومن تواضع الإمام أحمد رحمه الله تعالى

قال المرُّوذِي: قلت له: قدم رجل من طرَسوس([6])، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل، رفعوا أصواتهم بالدعاء، ادعوا لأبي عبد الله . . . فتغير وجه الإمام أحمد، وقال: ليته لا يكون استدراجا.

وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار.

فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه، فما ينفعه كلام الناس.

وقال أَبو بكر المَرُّوذِي: قلت لأَبي عبد الله: إِن رجلاً قال لي: إِنه من بلاد التُّرك إِلى ها هنا يَدعونَ لك، فكيف تؤدي شكر ما أَنعم الله عليك وما بث لك في الناس؟ فقال: أَسأَل الله أَن لا يَجعلنا مُرائين.

وقيل لأبى عبد الله: ما أكثر الداعينَ لك؟ فتَغرغَرت عينه، وقال: أخافُ أن يكون هذا استدراجًا، أسأل الله أن يَجعلنا خيرًا مما يظّنون، ويَغفر لنا ما لا يعلمون.

وقال أبو بكر المُّروذي: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - وذكر أخلاق الوَرعين - فقال: أسأل الله أن لا يَمقُتنا، أينَ نحنُ مِن هؤلاءِ؟

دخل إبراهيم الحُصري على الإمام أحمد - وكان رَجلًا صالحًا - فقال: إن أمي رأتْ لك كذا وكذا، وذكرت الجنة، فقال: يا أخي، إن سَهل بن سَلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا، وخرج سَهل إلى سَفك الدماءِ, وقال: الرؤيا تَسُرُّ المؤمن ولا تغرّه.

 

قال الشافعي: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث، فأخبرونا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا . . .

وهذا من تواضع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

 

وقال أبو القاسم بنُ الجَبُّلِي: أكثرُ الناس يظنون أَن أَحمد بن حنبل إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المِحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد بن حنبل إِذا سُئِلَ عن المسأَلة كأَن علم الدنيا بين عَينيه.

وقال إبراهيم الحربي: رأَيت أَحمد بن حنبل فرأَيت كأنَّ الله جَمع له علم الأَولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاءَ ويُمسك ما شاءَ.

 

قال إِبراهيم الحَربي: سُئل أَحمد عن الرجل المسلم يقول للرجل النَّصراني: أَكرمكَ الله، قال: نعم، يقول: أكرمك الله، ويَنوي: بالإِسلام.

 

وقال معروف الكرخي: رأَيتُ أَحمدَ بن حنبل فتى عليه آثار النُّسك، فسمعته يقول كلاماً جَمع فيه الخير؛ سمعته يقول: مَن عَلم أَنه إِذا ماتَ نُسي، أَحسنَ ولم يُسي.

 

وقال علي بن المديني: قال لي سَيدي أَحمد بن حنبل: لا تُحدِّث إِلا من كتاب.

قال علي بن المديني: ليس في أصحابنا أَحفظ من أَبي عبد الله أَحمد بن حنبل؛ وبلغني أَنه لا يحدث إِلا من كتاب ولنا فيه أُسوة حسنة.

وهذا منه لأجل التثبت فيما يحدِّث به.

 

قال أَبو عُبيد القاسم بن سلام: زُرت أَحمد بن حنبل يوماً في بيته فأَجلسني في صَدْرِ دَارِهِ وجلس دوني. فقلتُ: يا أَبا عبد الله، أَليسَ يُقال: صاحب البيت أَحق بصدر بيته؟ فقالَ: نعم، يَقعد ويُقْعِد مَن يريد. قال: فقلتُ في نفسي: خُذْ إِليكَ يا أَبا عُبيد فائدة، قال: ثم قلت له: يا أَبا عبد الله، لو كنتُ آتيك على نحو ما تَستحق لأَتيتك كل يوم، فقال: لا تقل، إِنّ لي إِخواناً لا أَلقاهم إِلا في كلّ سنة مرةً، أَنا أَوثق بمودتهم ممن أَلقى كلَّ يوم. قال: قلت: هذه أُخرى يا أَبا عبيد. فلما أَردتُ القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أَبا عبد الله. فقال: قال الشعبي: مِن تمام زِيارة الزائر أَن تَمشي معه إِلى باب الدار وتأَخذ بركابه. قال: قلت: يا أَبا عُبيد، هذه ثالثة. قال: فمشى معي إلى باب الدار وأَخذ برِكابي.

 

وقال أَبو ثور: لو أَن رجلاً قال: إنَّ أَحمد بن حنبل من أَهل الجنة. ما عُنّف على ذلك. وذاك أَنه لو قَصد رجل خراسان ونَواحيها لقالوا: أَحمد بن حنبل رجل صالح. وكذلك لو قصد الشام ونواحيها لقالوا: أَحمد بن حنبل رجل صالح. وكذلك لو قَصد العراق ونواحيها لقالوا: أَحمد بن حنبل رجل صالح. فهذا إِجماعٌ، ولو عُنّف هذا على قوله بَطل الإِجماع.

وهذا يدل له قول النبي r لما مُرَّ عليه بجنازة فقال: وجبت، ثم سألوه فقال: أثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، أنتم شهداء الله في الأرض.

قال الذهبي في السير: كان أحمد عظيم الشأن، رأسا في الحديث وفي الفقه، وفي التأله، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!

 

وامتُحن الإمام أحمد بالسرّاءِ والضرَّاء، وتَداوله أَربعة خلفاء، بعضهم بالضراءِ، وبعضهم بالسراءِ، فكان فيها مستعصماً بالله عز وجل. تداوله المأمون والمعتصم والواثق، بَعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإِخافة والتَّرهيب، فما كان في هذه الحال إِلَّا سليم الدين غير تارك له من أَجل ضَربٍ ولا حبسٍ. ثم امتحن أَيام المتوكل بالتكريم والتَّعظيم، وبُسطت الدنيا عليه فما رَكن إِليها، ولا انتقل عن حالته الأُولى رغبةً في الدنيا ولا رغبةً في الذِّكر.

 

كان رحمه الله تعالى شديدَ الاتباع للآثار؛ حتى إنه بَلغنا عن أبي الحُسين بن المُنادي أنه قال: استأذنَ أحمد زَوجته في أن يَتسرَّى طلباً للاتباع فأذِنت له، فاشترى جاريةً بثمن يسير وسَمَّاها رَيحانة، استِناناً بَرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن النبي r قد تسرَّى بريحانه القُرَضيَّة على رأي أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنها زوجة، وليست سريَّة.

قال الفضل بن زياد: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: مَن رَدَّ حديثَ رسول الله فهو على شَفا هَلَكة.

وقد قال الله عز وجل: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} أي: فليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنتَه وما شرعه، {أن تصيبهم فتنة} أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، {أو يصيبهم عذاب أليم} أي: في الدنيا، بقتل أو غيره([7]).

قال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلِك.

وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (تَمَتَّعَ النَّبِيُّ r فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ r، وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ([8]).

فإذا كان مَن يُعارِض كلام النبي r بكلام الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قد عرَّض نفسه للهلاك، فكيف بمن يُعارِض كلامه r بكلام غيرهما؟!

 

وقال الحسن بن ثواب: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلمُ الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان. قلت: ولمَ؟ قال: ظهرت بدعٌ، فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها.

يعني من لم يكن علم بالسنة، لم يعرف البدع الحادثة، فيقع فيها وهو لا يشعر، يظنها من الدين، خاصة والبدع يكون عليها زينة وبهجة كما قال بعض السلف، وتروج على كثير من الناس ممن لا علم له بالسنة.

وإذا كان ذلك في زمان الإمام أحمد فكيف بالأزمنة بعده، وفي صحيح البخاري 7068 عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذا يؤكد أهمية طلب العلم في هذا الزمان، ومعرفة الاعتقاد الصحيح، ليحصن المسلم نفسه من هذا البدع والمحدثات.

 

وعن الحسن بن أيوب البغدادي أنه قال: قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أحياك الله يا أبا عبد الله على الإسلام. قال: والسنّة.

وقال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.

يعني أن يكون لك سلف من أهل العلم قال بهذه المسألة، حتى لا يشذ بقول لم يقل به أحد.

وقال المرُّوذي: قال لي أحمد: ما كتبتُ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وَقد عملتُ به؛ حتى مَرَّ بي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجمَ وأعطى أبا طَيبة ديناراً؛ فأعطيتُ الحجام ديناراً حين احتجمتُ.

 

وقال الإمام أحمد: القَلانس([9]) من السماءِ تنزِل على رؤوس قَوم يقولون برؤوسهم هكذا وهكذا.

أي: يميلون برؤوسهم عنها، لا يريدونها، ومعنى الكلام: أنهم لا يريدون الرئاسة وهي تقع عليهم، ويحتمل أنه يريد أنهم يُطأطِئون رؤوسهم تَواضعاً.

 

وقال أبو بكر المرُّوذي ذاكرا جملة من صفات الإمام أحمد رحمه الله تعالى:

 كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهِل عليه احتمل وحَلُم، ويقول: يكفي الله. ولم يكن بالحَقود ولا العَجول . . . وكان كثير التواضع يُحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في مجلسه، . . . وكان حسَن الخُلُق دائم البشر ليّن الجانب ليس بفظ ولا غليظ؛ وكان يُحب في الله ويُبغض في الله، وكان إذا أحب رجلاً أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبُّه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظُلم أو إثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن رجل صلاحٌ أو زهد أو قيامٌ بحق أو اتباعٌ للأمر سأل عنه وأحبَّ أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وكان رَجلاً فطِناً إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها؛ فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم.

ومن مواقفه رحمه الله تعالى الدالة على سلامة صدره، أن رجلا كان يمشي مع الإمام أحمد فذكر له رجلا، فقال الإمام بيده: هكذا، ونفضها؛ فأغلظ الرجل للإمام أحمد في الكلام، قال: فنظر إليّ ثم قال: سلامٌ عليكم. فلما كان في السحر بكَّرتُ إليه فقلتُ: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني كان على غير تعمّد، فأنا أحب أن تجعلني في حِل. فقال: ما زالت قدماي من مكانهما حتى جعلتك في حِل.

وهذا من اتباعه رحمه الله تعالى للسنة، فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه.

وقال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) وعن معاذ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (من كَظَمَ غَيْظًا وهو قَادِرٌ على أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ الله عز وجل على رؤوس الْخَلَائِقِ يوم الْقِيَامَةِ حتى يُخَيِّرَهُ الله من الْحُورِ الْعِينِ ما شَاءَ) رواه أبو داود.

 

في ذكر زهده:

قال سليمان بن الأشعث: ما رأيت أحمد ابن حنبل ذكر الدنيا قط.

وقال ابنه صالح: قلت لأبي: بلغني أن أحمد الدورقي أُعطي ألف دينار، فقال: يا بني (ورزق ربك خير وأبقى).

وقال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول لشجاع العطار: يا أبا الفضل، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيام قلائل.

وقد روى الترمذي في الجامع 2377 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود t قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» وقال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

 

وقال أبو الفضل صالح ابن الإمام أحمد: كان أبي إذا وُلد لي ابنةٌ يقول: الأنبياء آباء بنات. ويقول: قد جاء في البنات ما قد علمتَ.

وقال يعقوب بنُ بختان: وُلد لي سبع بنات، فكنت كلما ولد لي ابنة دخلت على أحمدَ بنِ حنبل، فيقول لي: يا أبا يوسف الأنبياء آباء بنات. فكان يُذهب قولُه همي.

وقد جاء في فضل البنات وتربيتهن على الطاعة ما روى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ» وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رواه مسلم 2631.

ومعنى عال جاريتين: أي قام عليهما بالنفقة والتربية ونحوهما.

وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» رواه البخاري ومسلم 2629.

وقوله r: (من ابتُلي) إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهونهن في العادة، كما قال الله تعالى {وإذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم}.

وقد يكون في البنت خيرٌ لوالديها في الدنيا والآخرة، وكم من بنت كانت أنفع لأبويها في دينهما ودنياهما من الأبناء، والواجب على المرء التسليم في ذلك لقضاء الله وقدره.

ولهذا فإن الله جل وعلا قدم ذِكَر الإناث على الذكور، في قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ...)، فقيل في سبب ذلك، أنه قدم ذكر البنات جبراً لهن، لكراهة بعض الآباء لهن، وتقديماً لما كان يؤخره أهل الجاهلية، أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي على الذَّكر، ذَكَر معنى ذلك العلامة ابن القيم في كتابه تحفة المودود ص 20، 21.

 

وقال ابنه صالح: اعتللت من عيني ليلة، فلم يزل عندي – يعني أباه الإمام أحمد – فقلت: اللهم إني أسألك الصبر. فقال: سل الله العافية، فإن الصبر إنما يكون مع البلاء.

فأرشد ابنه صالح إلى الأكمل، وهو سؤال الله العافية، فقد صح عن النبي r أنه قال: "ما مِن دعوة يدعو بها العبد أفضلَ من: اللهم إني أسألك المعافاةَ في الدنيا والآخرة"، رواه ابن ماجه (3851) من حديث أبي هريرة t، وصححه البوصيري في الزوائد والألباني.

ولهذا قال مطرِّف بنُ الشِّخِّير رحمه الله تعالى: لأن أعافى فأشكر، أحبُّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر، قال: ونظرت في النعمة التي لا يشوبها كدَر فإذا هي العافية.

ولا بأس أن يسأل العبد ربه أن يرزقه الصبر عند البلاء، كما في قوله تعالى عن سحرة فرعون: (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين).

 

ومن أقوال الإمام أحمد: رأس العلم خشية الله تعالى([10]).  

وقد قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

فكلما كان طالب العلم من أهل الخشية لله عز وجل والتقوى كان أقرب إلى إصابة الحق، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) وقال سبحانه: (ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

وفي طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/202 قيل للإمام أحمد من نسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب، مثله يوفق لإصابة الحق.

وَفي سير أعلام النبلاء 12/323: قَالَ المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ: رَجُلٌ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لإِصَابَةِ الحَقِّ. 

 

ومن ورع الإمام أحمد في الفتوى أن أَبا داود السّجستاني قال: سأَلتُ أحمد بن حنبل عن طَلاق السَّكران، فقال: سل غَيْرى.

وقال المُّروذى: سأَلتُ أحمد بن حنبل مالا أحصى عن أشياء، فيقول فيها: لا أدرى.

وقال محمد بن عُبيد اليمامى: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: رُبما مكثتُ في المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شَيئاً.

وقد حصل مثل ذلك لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، ففي مجموع فتاواه([11])، قال: (بلغني سؤالكم . . . عن الإبرة هل تفطر الصائم؟ فهذه المسألة قد سألتموني عنها من نحو ثلاث سنوات، فأجبتكم أني غير جازم فيها بتفطير، ولا عدمه، وإلى الآن حفظك الله وأنا مُشكل علي ذلك).

وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يُستفتى، فيكثر أن يقول لا أدرى، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه، وذلك أنه يُسأل عن اختياره فيذكر الاختلاف، . . . وربما سمعته يقول في المسألة: لا أدرى، ثم يَذكر فيها أقاويل.

وهذا التثبت والتأني في الفتوى معروف عن السلف، ومن شواهد ذلك، ما روى الترمذي 1145 عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ t أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ الَّذِي قَضَيْتَ»، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. وصححه الألباني.

 

وعند النسائي في الكبرى 5496 عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللهِ عَنِ امْرَأَةٍ، تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَلِ النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ، أَوْ كَمَا قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ لَوْ مَكَثْتُ حَوْلًا مَا سَأَلْتُ غَيْرَكَ قَالَ: فَرَّدَدَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهْرًا، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ مَا كَانَ مِنْ صَوَابٍ فَمِنْكَ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ، فَمِنِّي ثُمَّ قَالَ: أَرَى لَهَا صَدَاقَ إِحْدَى نِسَائِهَا، وَلَهَا الْمِيرَاثُ مَعَ ذَلِكَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ، فَقَالَ: " قَضَى فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا بَرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ فَقَامَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَشَهِدُوا.

 

مراجع لمن أراد الاستزادة من سيرة الإمام أحمد:

  1. سيرة الإمام أحمد، لابنه صالح (ت: 265 ه).
  2. مناقب الإمام أحمد، لأبي الفرج بن الجوزي (ت: 597 ه)، وهو أجمع من ترجم للإمام.
  3. محنة الإمام أحمد، لعبد الغني المقدسي، (ت: 600 ه).
  4. مجمل الرغائب فيما للإمام أحمد بن حنبل من المناقب؛ لعبد الله الخزرجي الحنبلي (ت: 681 ه)، وهو مختصر لكتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.
  5. الجوهر المحصَّل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل، لمحمد السعدي الحنبلي (ت: 900 ه).
  6. عقد اللآلئ والزبرجد في ترجمة الإمام المبجل أحمد؛ لإسماعيل العجلوني (ت: 1162 ه).

وكل هذه المراجع مطبوعة.

فضلا عن ترجمته في كتب التراجم، كسير أعلام النبلاء للذهبي فقد في أطال في ترجمته.

رحم الله تعالى الإمام أحمد بن حنبل رحمة واسعة، وجمعنا به في دار كرامته، ووالدينا ومشايخنا وأحبابنا والمسلمين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

 

([1]) ينظر: سير أعلام النبلاء 7/269

([2]) ينظر: نفح الطيب 2/229.

([3]) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى 1/24.

([4]) قال في الاعتصام: (أن الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر بن الخطاب، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء كلها).

([5]) ينظر: ترتيب المدارك 3/382.

([6]) قال في معجم البلدان 4/28: (وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم).

([7]) ينظر: تفسير ابن كثير للآية.

([8]) أخرجه الإمام أحمد برقم (3121)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

([9]) جمع قَلَنسوة، وهي غطاء للرأس.

([10]) طبقات الحنابلة 1/479.

([11]) 4/187.

محاضرات ذات صلة